محمد أبو زهرة
1844
زهرة التفاسير
وإنهم إذ يستخفون من الناس لا يشعرون برقابة الله على أعمالهم ؛ لأن ذلك الشعور ينبعث من ضمير حي قوى موجه للنفس ، والوجدان الديني القوى لا يكون في قلب جاف قاس ، قد ترك الناس ولم يألفهم ، وهذا معنى قوله تعالى : وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ، فهو مطلع عليهم ، وإن كانوا لا يشعرون ، وعليم بأمرهم ، وإن كانوا يستخفون من الناس ، ويبتعدون عنهم . والاستخفاء المبالغة في طلب الخفاء ، والابتعاد ، وذلك ليتسنى لهم تدبير ما يريدون ، والله سبحانه معهم إذ يدبرون السوء ، لذا قال سبحانه تعالت كلماته وجلت قدرته : وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هؤلاء الذين يستخفون من الناس مجافين لهم ، ولا يشعرون برقابة الله تعالى عليهم ، والله مطلع على أقوالهم وأعمالهم ، اطلاع من يصاحبهم في غدوهم ورواحهم ، وهو معهم عندما يدبرون الأعمال في خفية من الناس والأقوال التي لا يرضى الله عنها . فالتبييت تدبير الأمر في البيات ، أي الليل ، وأطلق على كل ما يدبر بعيدا عن الناس ، ويقول الزمخشري في معنى النص الكريم : « يدبرون ويزورون - وأصله أن يكون بالليل - ما لا يرضى من القول . . . فإن قلت : كيف سمى التدبير قولا ، وإنما هو معنى في النفس ؟ قلت : لما حدث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز » . فالتبييت معناه التدبير في الخفاء مطلقا ، سواء أكان تدبير قول يسترون به عملهم ، ويزينون به مظهرهم ، أم ترتيب عمل يخفونه ، ويقومون به ، فإن أعمال المنافقين جميعها تدبر بليل ، وتنفذ بليل ، حتى تظهر آثارها في الجماعة ، ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر القول فقط ، فقال : « ما لا يرضى من القول » ، فلما ذا ذكر القول وحده ؟ لقد وجه الزمخشري سؤالا قريبا من هذا ، وأجاب عنه ، ونحن نقول : إنه ذكر القول وحده مقترنا بعدم رضا الله تعالى ؛ لأن أقصى ما يتستر به المنافق قول مزخرف يضل ، ولذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عليم اللسان منافق القلب هو